المغرب الملكي

موقع المغرب الملكي أول جريدة الكترونية ملكية بالمغرب مغرب الملكية و ملكية المغرب من الالف الى الياء بالموقع الملكي المغربي موقع كل الملكيين المغاربة و مرصد الاخبار و الكواليس الملكية بالاضافة الى جديد التسجيلات و الصور الخاصة بالاسرة الملكية المغربية

08 avril 2008

الدولة الاستبدادية ماهرة في امتصاص التغيير ولكنها ليست كاملة

هذا نص المحاضرة التي ألقاها الأمير مولاي هشام في مارس الماضي بمجلس العلاقات الدولية بمونتريال والتي يحاول فيها تشريح النظام السلطوي في عالمنا وعوائق نهوض قوى التغيير

بقلم الأمير مولاي هشام بن عبد الله العلوي

MoulayHicham_Montreal_2_566x231تعرضت البلدان العربية بالشرق الأوسط منذ حرب الخليج الاولى(1990-1991)لمجموعة من الرجات المتتالية لو كانت وقعت في مناطق أخرى لترتب عنها خلخلة أسس العديد من الأنظمة الحاكمة.ومعلك,ورغم التحديات السياسية والاقتصادية والايديولوجية الضخمة التي واجهتها الانظمة الحاكمة ببلدان الشرق الأوسط منذ ما يقارب العشرين سنة,فانها تمكنت من المحافظة على بقائها معتمدة بنيات سياسية عتيقة لم تفلح لا الحرب العالمية الثانية ولا عمليات الاستقلال في القضاء عليها.كما أن القوى الممكنة التي من المفروض أن تضطلع بالتغيير الذي طالما داعب مخيلة الجميع لم تفلح في اقامة معارضة بناءة فاعلة,مما جعل تلك الانظمة الحاكمة التي كانت تبدو كما لو أنها على وشك فقدان كل مصداقية لها,تسعى الى تلميع صورتها موهمة أنها بصدد فتح صفحات جديدة من تاريخها,وفي الوقت نفسه ظلت متشبثة بالسلطة.ولنتذكر هنا شعور التفاؤل العارم الذي تولد عن انهيار جدار برلين في نونبر 1989,وعن حرب الخليج الأولى(يناير-مارس 1991)حيث تم طرد صدام حسين من الكويت,مما جعل الجميع يؤمن بامكانية ظهور نظام عالمي جديد,يتم فيه احترام قواعد القانون الدولي,وتطبق فيه في كل مكان من العالم,بما في ذلك فلسطين,القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة,وفي سياقه أيضا ستهب على العالم العربي رياح الديمقراطية,وتصبح معايير الديمقراطية وحقوق الانسان واحدة موحدة في العالم كله,وتشجع الأنظمة الاستبدادية على دمقرطة نفسها بعيدا عن أي اكراه. وفي المستوى الاقتصادي,ستؤدي عمليات"التقويم الهيكلي"(بما فيها عمليات الخوصصة وتقليص المساعدات التي تقدمها الدولة),والاتفاقيات التجارية للتبادل الحر,والاغراءات المقدمة من أجل تشجيع الاستثمار والمبادرة الحرة,الى بروز طبقات متوسطة جديدة.وستعمل هذه القوى الاقتصادية والاجتماعية يدا بيد مع قوى وطنية ودولية أخرى على الدفع بالمنطقة على طريق الدمقرطة والتنمية الاقتصادية.وعلى غرار ما وقع بأمريكا اللاتينية وأوروبا الجنوبية في بلدان مثل اسبانيا واليونان وايطاليا,ستضطلع مجموعة من النخب المبادرة الخلاقة بدور مولدب التحولات السياسية ومحركيها.هكذا سيغدو بامكان الشرق الأوسط أن ينخرط في معمعان ما كان ينظر اليه حينها كحركة تقدم كوني عالميوبعد عقدين من الزمن,يمكن القول ان حصيلة هذا الزخم من الأماني والتطلعات في مختلف المجالات(السياسية,الاقتصادية,الايديولوجية والعلاقات الدولية) تخلف في النفس الحسرة والأسى,فعلى المستوى السياسي,تتوزع منطقتنا ثلاثة انواع من الأنظمة وهي الأنظمة المغلقة(ليبيا,سوريا,الخ)حيث لا وجود للتعددية ولو شكليا,والأنظمة الهجينة(الجزائر ,مصر,الأردن,المغرب,السودان,اليمن)حيث يتعايش النظام الاستبدادي مع بعض أشكال التعددية,وأخيرا الأنظمة المفتوحة ويمثلها حاليا نظام وحيد وهو السائد بموريطانيا التي عرفت نظاما حقيقيا لتداول السلطة.وعلى المستوى الاقتصادي,تمكنت السياسات الليبرالية الجديدة من تنشيط النمو,ولكنها لم تجعل من بلداننا عناصر دينامية فعالة في الاقتصاد العالمي,وهي بالتأكيد لم تخفف من البؤس وضروب الظلم الاجتماعي التي تنخر كيان المنطقة,صحيح ان خزائن البلدان المنتجة للبترول أصبحت مليئة باحتياطي العملات,ولكن ذلك مرده فقط الى الارتفاع الصاروخي لأسعار البترول,ولا يعكس بتاتا أي تطوير وتجديد هيكلي,وبفضل بعض الوسائل من قبيل صناديق السيادة,فان بعض هذه البلدان يستطسع استعراض قوته المالية عن طريق اقتناء أجزاء من البلدان الصناعية التي تشهد أزمة ما,مما يمكنها من تنويع مصادر مداخيلها.لكن ذلك أيضا ليس سوى نتيجة اختلالات تعرفها بلدان الشمال,وليس علامة على تحول ناجح للبنيات الاقتصادية بمنطقتنا.أما البلدان العربية الكبرى الأخرى,فانها ما زالت تواجه مشاكل خطيرة ناجمة أساسا عن النسبة المرتفعة من الشباب المتخبط في الفقر والبؤس,ولم تنجح مصر,أكبر هذه البلدان من حيث عدد السكان,في التخلص من وضعية البلد المتعيش من المساعدات الخارجية كمصدر استراتيجي للدخل.وفي ما يخص الطبقات الوسطى,فانها تظل تابعة لتدفق مداخيل البترول وعلى وجه العموم لعلاقات المحسوبية الاجتماعية التي لم يتم استئصالها.هكذا يتمكن النظام الاستبدادي الجمهوري والملكي على وجه سواء من المحافظة على بقائه كاشفا عن قدرة هائلة على التكيف.فرجال الأعمال الاغنياء يطلون مدينين للدولة بالعقود التي حصلون عليها,وأيضا بقدرتهم على التأثير في السوق عبر شبكات تتيحها لهم علاقتهم بالدولة,أما رجال الأعمال المتوسطون بل وحتى الباعة المتجولون,فان عليهم أن يظلو خاضعين للتوجيهات الوزارية والقواعد المتحجرة وقانون الرشوة.وحتى المهن الحرة والفكرية تظل مرتهنة لمؤسسات الدولة,وتتعرض لأقصى العقوبات ان هي تجاوزت الحدود المرسومة.ولا مراء أن مصطلح"الفئات الوسطى" يظل مصطلحها مرنا وقد يصدق على فئات اجتماعية واسعة من رجال الاعمال والمدرسين والممرضين والتجار والفنانين والموطفين.وبعضهم ينحدر من أسر لها حضور بارز محليا أو وطنيا,وبعضهم الآخر يضم أشخاصا هم من بين أفراد عائلتهم أول من تمكن من الارتقاء الاجتماعي النسبي ليتجاوز طور الكفاف ويتخلص من الامية,والكثيرون من بين هؤلاء لن يسلم من العودة من جديد الى حال الفقر عند اول ازمة.وقد تمكن بعض الضباط السامين في الجيش من شق طريقهم ليصبحوا منتمين الى فئة البورجوازية الجديدة,بفضل استثماراتهم الضخمة في الاقتصاد الوطني.وهم يشكلون الى جانب الموظفين السامين والبروقراطيين الذين استغلوا مناصبهم لمراكمة الثروات قطاعا من"الفئات الوسطى" التي تقف في وجه كل تغيير.

وتوجد أيضا فئة وسطى"معولمة"تضم فئتين فئة المهنيين ورجال الأعمال بالخارج الذين يقدمون الى عائلاتهم التي ظلت بالمغرب مساعدات لا تسمح لها سوى باقتناء دكان أو ممارسة تجارة بسيطة أخرى,وفئات اجنماعية تجد أن الآفاق مسدودة أمامها داخليا,فيصبح أملها الوحيد في تغيير وضعيتها الاقتصادية كامنا هناك في الخارج,رغم أن هذا الخارج يظل بعيد المنال.ويبقى أن هذين النوعين من الهجرة هما علامة على نفس الخلل,فالدولة أصبحت تتخلى تدريجيا عن دورها المتمثل في توفير مناصب الشغل وتأمين الحماية الاجتماعية,ومن هنا نبع فقدان الفرد الشعور بأن ثمة ارتباطا بين مصيره الفردي ومشروع ما يتقاسمه الجميع.علاوة على ماسبق,فان مختلف هذه "الفئات الوسطى" لا تشكل سوى جزء ضئيل من ساكنة البلد حيث تعيش الأغلبية الساحقة على عتبة الكفاف,وحيث ينعدم التعليم العمومي أو يكاد,وينتمي أولئك الذين يدعون الى الليبرالية الاقتصادية الديمقراطية الى هذه "الفئات الوسطى" المتنافرة الى أقصى الحدود من طلبة وأصحاب مهن حرة ورجال أعمال متوسطين ومحامين ورجال قانون ومنتمين الى فئات الأقلية,فئات اجتماعية مهمشة(النساء,العرقيات الأقلية,فئات جهوية مخصوصة,أقليات لغوية) ولكن كيف السبيل الى التوفيق بين مطالب هؤلاء والمطالب المباشرة والمادية للفئات الأكثر تضررا التي تعيش في المدن والقرى؟؟

تتفق كلمة كل هذه الفئات في المستوى الايديولوجي على المطالب ب"الديمقراطية" ولكنهم يختلفون حول هذه القضية المهمة أو تلك باختلاف المناطق.ونذ بداية التسعينات لم تسمح الأشكال التي اتخدتها الليبرالية الاقتصادية والسياسية بتنامي وتقدم الأفكار التقدمية والعلمانية في أوساط الفئات الوسطى والشعبية.ونتيجة ذلك أن الاسلامية بمختلف تياراتها برزت كأفضل من يعبر عن متطلبات التغيير وأشكال الاحتجاج,حتى ضمن فئات تنتمي تاريخيا الى اليسار وتؤمن بالعلمانية كما شأن الطلبة.وذا كانت أصوات العلمانيين والاسلاميين تلتقي في سمفونية كبرى تدعو الى الدمقرطة,فان الفريق الأول يتغنى بنظام سياسي قائم على دولة الحق والمبادىء السياسية المعترف بها دوليا,بينما الفريق الثاني يمتدح أسس نظام سياسي ينبني على مجموعة من المبادىء القرآنية.ويسعى الفريق الأول الى تأسيس السيادة على الارادة الشعبية المنحدة بحدود القانون,بينما يذهب الفريق الثاني الى اقامتها على أساس النظام العقدي,وان كنا نلحظ نوعا من المرونة في موقف الاخوان المسلمين بمصر أو لدى حزب العدالة والتنمية بالمغرب في ما يخص مسألة الديمقراطية وسيادة الشعب,ولكن لنتذكر أن عمر الايديولوجية طويل طويل....

مجمل القول ان "الاصلاحات" المطبقة في منطقتنا منذ خمس عشرة أو عشرين سنة لم تفض بنا تحت ضغط الغرب الى السبيل الذي ينطلق حتما من الليبرالية الاقتصادية الى الديمقراطية مرورا بالتحديث والعلمنة,بل على العكس من ذلك قدمت الدليل الملموس على انعدام أي رابط آلي بين مختلف تلك المراحل.كيف السبيل الى تفسير الجاذبية الخاصة المفارقة ظاهريا التي يمارسها التيار الاسلامي المعاصر على العديد من حملة الشهادات؟؟

يرجع ذلك من جانب أول الى قدرته على الجمع بين موضوعتين وهما الاعتزاز الثقافي والهوية الدينية,وقد ظلت الأنظمة السياسية ردحا طويلا من الزمن تكتفي بوضع السلطة الثقافية بين أيدي رجال دين محافظين يعتقد أنهم الأقدر على"التحكم في المجتمع".وبعد النكسات التي أصابت القومية العربية وخاصة بعد هزيمة 1967 وتعامل بعض الأنظمة العربية الكبرى مع اسرائيل وأخيرا غزو العراق وتفكيكه,استغل الدينيون النقمة المنصبة على الأنظمة العربية لينصبوا أنفسهم حماة ورواد الثقافة العربية,مما نجم عنه خليط ايديولوجي ماحق وبالغ الخطورة.لا مراء أن اللغة العربية تتوفر على تراث ضخم من الانتاجات الغنية والمتنوعة,غير أن العرب المتعلمين ومتعددي اللغات أصبحوا اليوم أمام قلة الترجمات الجيدة ينجزون جزءا هاما من أعمالهم بالفرنسية أو الانجليزية,ليصبحوا علمانيين بتعاملهم بهاتين اللغتين.أما الشباب,فانهم يلتقطون ما يمكنهم التقاطه من زخم الثقافات العالمية,لخلقوا في الشارع وعلى شبكة الانترنيت لغة عامية هي خليط من هذا وذاك.وهم عندما يحملون من موقع يوتوب يصبحون علمانيين.وبالموازاة مع ذلك,يمارس المتحمسون الدينيون ضغوطا كبرى محاربة"تدنيس" اللغة العربية,والمفارقة أن هذه الضغوط تؤدي الى اضعاف وضعية اللغة العربية في العالم,فهي تعمق الهوة بين الثقافة العربية والثقافات المتوقدة حياة في الغرب والشرق,مما يرسخ الشعور بوجود ضعف نسبي للمعرفة العربية.والحال أننا في أمس الحاجة الى أن يستعمل علماؤنا ومثقفونا وفنانونا بل وعامتنا أسكالا"مدنسة" مستثمرين ما تزخر به اللغة العربية من غنى وثراء.

وتعد هذه الهجنة عامل اضعلف في المستوى الديني أيضا.فمن جانب أول,يكتسب الاسلام جاذبيته الخاصة من موقعه كآخر ديانة سماوية تقدم رؤية موجهة نحو الخلاص,وتتضمن عناصر من ايديولوجيات علمانية من اليمين الى اليسار,وهي ديانة غير فردانية,ترفض النزعة الاستهلاكية وتمتد عميقا في حياة الجماعة,ولكنها في المستوى الاجتماعي,قد تكون حسب التأويل الذي يعطي لها محافظة جدا,تراتبية الى حد التشدد,ومتشبثة بالنظام والتقاليد,رغم أنه من المفروض أن تكون موجهة الى الجميع.وتبعا لذلك,فان أية محاولة لاعطاء الأولوية للارتباط بين الاسلام وثقافة معينة(مخاصة العربية)على غيره من الارتباطات,قد تفضي الى تحويل الاسلام الى نوع من الثقافة المغلقة الضيقة,مما يمنعه من الاتجاه نحو الكونية.وبالامكان استشفاف بعض علامات هذا التوجه الضيق في تهجمات"القاعدة"على"الفرس"أو العلماء على"الأتراك".ان الكثير من الأنظمة تقيم شرعيتها على قصص قومية كبرى شبه أسطورية,وفيها تقدم نفسها في صورة المحرر وحامي الأمة في مواجهة الهيمنة الخارجية,وأحيانا أيضا في صورة حامي الملة والدين.وهذه القصص هي غالبا قصص حقيقية,فالعديد من الأحزاب والأسر الحاكمة اضطلعت فعلا بدور بطولي في الحصول على الاستقلال الوطني والمحافظة عليه,بيد أن هذه الأساطير"الموحدة" التي تجد صدى كبيرا لها في وسائل الاعلام التي تروج لها باستمرار,خلقت تماهيا زائفا بين النظام الحاكم والمجتمع,وذلك غالبا بدعم قوي من بعض المثقفين الذين يسعون الى درء الشقاق والتشجيع على الانصياع.والملاحظ أن ثمة دائما عنصرا غائبا في تلك القصص الكبرى,كالأقباط بمصر,والبربر بالمغرب والجزائر,والشيعة والأكراد ببلدان ـخرى.وتظل التوترات الاجتماعية راسبة تحت السطح تعبيرا عن رفض هذه النزوع الى التجانس,كما ان القادة يشعرون بالخوف من شعوبهم,وترتعد فرائصهم لمجرد الحديث عن انفتاح سياسي حقيقي,وبعض أشكال الاستبدادية تتخد طابعا شعبويا,وبعضها يذهب حد تقديس الشعب,ولكن تحت هذه المظاهر الأبوية تحتقر الحكومات والنخب الشعب بذريعة أنه مدين لها بالاستقلال والمكتسبات التي تنعم بها الأمة.

وفي السنوات العشر الأخيرة,فقدت هذه الايديولوجيات الموحدة قدرتها السحرية على العقول,وأصبح على الدولة الاستبدادية أن تواجه كما هائلا من المجموعات الجديدة,وكل له أسباب خاصة تدعوه الى الاحتجاج,ولا سبيل الى تكميم أفواهها أو شراء ذممها.وفي الآن نفسه,تنعدم الثقة بين هذه المجموعات.فلكل رؤيته الخاصة,فالعمال المناضلون ليس لهم نفس التصور عن التغيرات الآنية المستعجلة الذي يحمله الفلاحون الفقراء المحافظون بطبعهم.وأرباب المصانع المحليون قد لا يتفقون مع ما يطرحه من مشاريع رجال الأعمال والأطر المرتبطة بمنظمات مالية دولية.وينضاف اخيرا الى كل هذه القطائع والتنافرات الخوف من الاسلامية الاستئصالية,وهو شعور نصادفه أيضا في أوساط بعض الاسلاميين أنفسهم.وقد اكتسبت الأنظمة الاستبدادية القدرة على توجيه هذه الانقساملت لصالحها فالدولة لم تعد تطرح نفسها كمدافع وحيد عن حقها الأوحد في ممارسة سلطتها على شعوب غير مؤهلة,بل انها بالأحرى أصبحت تقدم نفسها كحام للمعارضين"المعتدلين"في مواجهة اخوانهم الأعداء من"المتطرفين",ويمكن التمثيل لهذه التناقضات بما وقع في مصر,فقدت عمدت الحكومة المصرية في اطار برنامجها الليبرالي الجديد الى التراجع عن الاصلاح الزراعي الذي أقره جمال عبد الناصر,وسلبت الأراضي من ملاكها الحاليين,وهم في الأصل فلاحون ضغار,وأرجعتها للملاكين الكبار.وكان من المفروض أن يطبق هذا الاصلاح تدريجيا,لتمكين الفلاحين من التكيف مع الوضعية الانتقالية,ولكن الملاكين قدموا الرشوة لرجال الشرطة كي يطرودهم حالا.وتحرك الفلاحون ضد عمليات الطرد,وكان يعتقد أن الاسلاميين سيساندونهم في حركتهم الاحتجاجية,غير أن هؤلاء فضلوا الحياد,دعما منهم لسياسة حسني مبارك,ولايمانهم أن الاصلاح الناصري ذو توجه شيوعي,وهكذا تم اقبار الأمل في امطلاق حركة احتجاجية حقيقية في المهدان سيناريو"المواجهة بين المعتدلين والمتطرفين" يسمح للأنظمة الحاكمة بمرونة تكتيكية أكبر,اذ لم تعد الحاجة قائمة لتزييف الانتخابات في واضحة النهار,كما يمكن القبول بمشاركة أكبر للأحزاب المعارضة,ويمكن للحزب الحاكم أن يسمح بألا يحصل سوى على 70 في المائة من الأصوات بل فقط 60 في المائة عوض 90 في المائة كما كان عليه الأمر في السابق,وأصبح بالامكان أن ترتفع بعض الأصوات في الصحافة,وخاصة المكتوبة,حيث غدت الضغوط أضعف من الماضي,ولكن الخطوط الحمراء ظلت كما كانت عليه.ولم تعد الحاجة قائمة للزج بالأعداد الغفيرة من الناس في السجون,ولا اعتقالهم لمدد طويلة,باستثناء المتطرفين بطبيعة الحال.ولم تعد الدولة تتردد في استعمال كل الوسائل المتاحة,فهي تخلق وسائل اعلامها,ومنظماتها غير الحكومية,ومجتمعها المدني المزعوم.يتعلق الأمر بعملية اخراج محكمة,وبعقلنة النظام السياسي.لم تتغير الأنظمة الحاكمة اذن بفعل الديمقراطية,ولكنها تزينت بملحقاتها,مما يسمح لنا بأن نسميها على سبيل السخرية النظام الاستبدادي 0.2

وقد أثرت العديد من العوامل الجيوسياسية في هذه التطورات,فالانخراط الكبير لمنطقتنا في السياسة العالمية يعود الى الاتفاق الذي وقع بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت والملك السعودي عبد العزيز بن سعود سنة 1945 حول التزويد بالبترول.وبعدها تم قبول كل من مصر والأردن بحل ينص على انشاء دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل,وحصل أيضا التحالف بين الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان عربية مختلفة ومنها سوريا لارجاع السيادة للكويت سنة 1991,ولا ننسى أخيرا ضروب التشجيع التي تلقتها الدول العربية لتحرير حياتها السياسية وتطبيق الوصفات الليبرالية الجديدة على اقتصادياتها.ولكن ابتداء من سنة 2001,اختارت الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد النظر في الاتفاق الموقع مع منطقتنا,فلم تعد الأولوية تعطى للاستقرار,ولكن لاقامة الديمقراطية وان بالقوة عند الحاجة,وفي البدء استشعرت العديد من الأنظمة العربية الحاكمة الخوف من هذا التغيير,ولكن الرأي العام العربي لم تنطل عليه الحيلة,فقد تفطن الى أن هذا الحماس الفياض لم يكن سوى قناع يخفي برنامجا كاملا من التدخلات خدمة لمصلحة كل من الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل ولا غير,وسرعان ما تعلمت الأنظمة الحاكمة كيفية قراءة التصريحات المتناقضة الصادرة عن الغرب. لتطمئن على مصيرها,اذ يكفيها أن تتصنع الديمقراطية مزينة بها واجهتها,شرط أن تنخرط دون شرط أو قيد في"الحرب ضد الارهاب",وألا تبالغ في معارضة الهيمنة الأمريكية أو مصالح اسرائيل.ومارست الأنظمة لغة مزدوجة,مؤكدة من جانب لشعوبها أنها ضد الغزو الأجنبي,وفي نفس الوقت عملت على مساعدة واشنطن على اعتقال الاسلاميين ,وتعذيب المتهمين المختطفين خارج القانون,وكبح كل مقاومة للادارة الأمريكية "لاعادة صياغة"المنطقة.

وأفضى تدويل المعركة عن طريق الدولة الأمنية المراقبة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية,والنضالية الجهادية التي تقودها"القاعدة" الى تبخيس النشاط السياسي المحلي قيمته,وابتعاد الفاعلين الميدانيين عن الفعل والمبادرة.وعلى غرار العولمة التي تقوض أسس السلطة الاقتصادية للدولة وتضطر المواطنين الى الهجرة الى الخارج لضمان مستقبلهم المادي,تدفع العقدة العالمية التي ولدتها"الحرب ضد الارهاب" المناضلين الى خوض معارك عالمية وخيالية,وكما يهاجر المرء الى فرنسا للعمل هربا من اليأس المخيم في الديار,يهاجر أيضا للعراق ليحارب,فكم من عمليات جهاد ضخمة قام بها أناس جاؤوا من بعيد,وغالبا من مناطق ظلت نسبيا بمأمن من النزاعات,كما هو حال المغرب.يفضي الحرمان الاجتماعي الى نوعيت من الابتعاد عن السياسة الانسحاب والراديكالية,وخير مثال على ذلك الجزائر,ففي البداية كانت هناك الجبهة الاسلامية للانقاذ التي كانت تسعى الى اصلاح الدولة,وجاءت بعدها الجماعة الاسلامية المسلحة التي سعت الى الاطاحة به,وظهر أخيرا تيار أكثر راديكالية وهو الجماعة السلفية للدعوة والجهاد التي تحولت الى فرع القاعدة ببلاد المغرب العربي التي ارتدت عليها.يبدو اذن أن الذين لا يمكنهم الفرار خارجا يتحركون في الداخل وينسبون أنفسهم الى تنظيم عالمي أملين أن يصدقهم الناس رغم أن علاقاتهم بذلك النظام علاقات متوترة.وهذا ما يسمح للقاعدة أن تكون حاضرة في كل مكان,اذ بامكان أي كان أن يتقمصها,وأيضا كل مسلم غاضب غير راض قد يتهم بكونه ارهابيا بالقوة,هكذا تقتحم الحرب ضد الارهاب كل الحارات.وهنا يجب التمييز بين الدعاية والواقع,فمن المؤكد أنه يوجد في العالم أشخاص خطيرون مستعدون للقتل وتعريض أنفسهم للقتل,والبعض منهم تحركهم ايديولوجيات اسلامية,ولكن"الحرب ضد الارهاب" ولدت جوا رهيبا من الرعب وخلقت مخاوف وكوابيس حقيقية بلغت حدودا غير معقولة.وحسب أوروبولن ففي سنة 2006 وقعت 500 عملية ارهابية,واحدة منها أمكنت نسبتها الى اسلاميين,وهي عملية لم تنجح.وفي تجربة حديثة أجريت بالولايات المتحدة الامريكية,تمكنت شركة"ترنسبورتايسن سيكوريتي سيستم" من خداع الحراس المكلفين بأمن المطارات ست مرات من عشر باستعمال قنابل زائفة,وبنسبة ثلاثة مرات على أربعة في لوس أنجليس.ومع ذلك,لم تقع أية عملية ارهابية في هذا البلد منذ 2001.فلو كانت هناك خلايا جهادية نائمة تتحين الفرصة لتنتقل الى الفعل,لكان أمرها انكشف.وخارج مناطق المعارك يندر وجود الارهاب الاسلامي" بالتقسيط".أما في مناطق المعارك,فان الغزو الأجنبي هو الذي ولد أشكالا وتقنيات للمقاومة وأنماطا غير مسبوقة في التنظيم,بما في ذلك بعض فروع القاعدة أو جماعات تقلدها.فغير خاف أن كل أموال العالم وكل الجيوش وكل قمع العالم يظل عاجزا عن ايقاف انتحاري مصمم على فعله.

لا أحد يمكنه انكار وجود تهديدات حقيقية خارج منطقة المعارك,ولكن الشرطة والمخابرات يمكنها محاربتها بنجاعة,بل انهما بينا بالملموس قدرتهما على الاضطلاع بهذه المهمة,باختصار,يجب أن تتجه الجهود نحو تجريم الارهاب,لا تسييس"الجهاد".ومع ذلك,فان صناعة الارهاب أصبحت جزءا لا يتجزأ من علاقتنا بالغرب,هكذا تتدفق أموال المؤسسات ومفكري الغرب الاستراتيجيين,مصحوبة بالدعم السياسي والتغطية الاعلامية الضخمة لكل من ينتمي الى المنطقة ويساعد على تضخيم فزاعة"الحرب ضد الارهاب"ومع ذلك,لم يتحقق الأمن,ان تفاقم الخوف بموازاة مع تكاثر آليات التحكم والضبط التي تزيد في عمر الأنظمة الحاكمة.وحل الخوف من الارهاب بطريقة مدروسة ليعوض التبريرات القومية التي كانت سابقا تسوغ تأجيل الدمقرطة.صحيح أن الديمقراطية تمر بازمة في ماطق العالم الأخرى,لأنها أخلفت وعودها,ولكنها مزدراة في ديارنا قبل أن توجد,بل ان الكلمة نفسها لا تحظى بالمصداقية,ففي نظر الرأي العام العربي,أصبحت "الديمقراطية" المرادف الكريه لنفاق الأنظمة القمعية,وبرنامج المحافظين الجدد الداعي الى الضربات الاستباقية, الدولي لا يولي أية أهمية للتقارير أو التحاليل التي تقدمها,بل انه فرض عقوباته لأن الناخبين اختاروا بالأغلبية التصويت على حركة حماس, ونتيجة لتلك العقوبات نشهد الآن مأساة حقيقية حيث يعيش مليون ونصف فلسطيني تحت الحصار ويعانون من الجوع في قطاع غزة. أصبح الأمل في احلال الديمقراطية بمنطقتنا أملا واهيا,فالاطراف الفاعلة التي تأتي تاريخيا بالتغيير من مناضلين نقابيين وسياسيين وطلبة لم يعد لهم حول ولا قوة.أما الفاعلون الجد من أقليات جهوية أو لغوية ومن صحفيين ومثقفين مستقلين,فانهم يجدون صعوبة في رص صفوفهم للتحرر من ربقة سياسة استبدادية متجذرة منذ عقود وعقود.

وليس بامكاننا التنبؤ بادوات التغيير التي ستبرز الى الوجود في خضم المقاومات الجانبية المتكاثرة.في مصؤ وباكستان,يبدي بعض القضاة والمحامين مقاومة شجاعة للابقاء على تماسك القضاء المستقل,وفي المغرب والجزائر,يناضل مجموعة من الصحفيين من أجل حرية التعبير.وفي كل مكان من العالم الاسلامي,يبتدع مجموعة من المفكرين الدينيين روابط جديدة بين الاسلام والديمقراطية والتحديث.

من الأكيد أن الدولة الاستبدادية ماهرة خبيرة بامتصاص التغيير وتحويل مجراه,بيد أنها ليست آلة كاملة لا يمكن اختراقها,فكل الفضاءات التي أبدعتها من أجل المناورة,تشكل أيضا مساحات حقيقية لممارسة الفعل السياسي.ولا بد في النهاية أن توجد بعض المنافذ,وان المفاجأة آتية لا مناص,ذلك أن أغلب تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم وقعت في بلدان استبدادية"هجينة"ومن أجل المساهمة في التغيير,علينا أن"نضفي الطابع الأهلي" على الخطاب التقدمي,وننفخ الروح في الهدف المشترك الذي يشمل الأمة والاسلام,ولكنه لا يقتصر عليهما,علينا أن نقدم رؤية تتجه الى حاجات الناس المباشرة,وفي الآن نفسه تجعلهم ينخرطون في مشاريع أوسع للديمقراطية والسلام.سنرحب بما تقدمه لنا أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من مساعدات,ولكن هذه البلدان ان كانت حقا تريد تثبيت الديمقراطية في ديارنا,فعليها أن تبدأ بالاستجابة بجدية وفعالية للانشغالات المحلية,فلا جدوى من خطاب"الديمقراطية" ما لم يتحرر من ضغط الأهداف الجيوسياسية الكبرى,وما لم يعط الأولوية للتعاون مع الحركات التقدمية المحلية.ان الناس في حاجة الى تنفتح أمامهم الآفاق الرحبة,ذاك مطمحهم ومسعاهم.هنا اذن يجب أن يتحرك التقدميون ويبادروا.وبهذه الطريقة سيقام نظام سياسي ديمقراطي شكلا ومضمونا,ولا يهم حينها اللغة التي سنستعملها لوصف هذا النظام

نشر من طرف ادارة موقع المغرب الملكي في على الساعة 13:14 - تعليقات زوار الموقع 0


Regie Publicite Afrique

banniere

40436363_p1_copie

zzzz11

zzzz12

تعليقات زوار الموقع

ملاحضات هامة بخصوص التعليقات

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان
المرجوا التعليق على موضوع المادة المنشورة اعلاه وعدم توجيه رسائل خاصة عبر الاستمارة

موقع المغرب الملكي موقع خاص لا تربطه اي صلة بمؤسسة القصر للمزيد من المعلومات المرجوا زيارة هده الصفحة

يحتفظ موقع المغرب الملكي بحق حدف او عدم نشر أي تعليق يتضمن إهانات أو تعليقات ساخرة أو بذيئة إلى اي شخص او مجموعة تمس أو تتعلق بالجنسيّة أو الأصل العرقيّ أو الدّين أو المعتقد أو الطاقات البدنية والعقلية أو التّعليم أو الجنس والحالة الاجتماعية أو التوجه أو الانتماء السياسيّ أو المعتقدات الفكرية أو الدّينيّة. او تعليقات تروج للعنصرية أو للتمييز العنصري والديني والمذهبي أو للتمييز ضد المرأة وكل أشكال التمييز الأخرى

أضف تعليقك بخصوص محتوى الموضوع أعلاه







آخر الاخبار و المقالات

موقع المغرب الملكي


Regie Publicite Afrique

 

© http://www.karimedia.net/ | 2006 | 2009 | Tous droits réservés